من دواعي السرور و الاطمئنان بالنسبة للشعب المغربي, تنامي الإيمان بمبدأ دولة الحق و القانون و دولة المؤسسات في صفوف جل النخب السياسية بالبلاد. و من دواعي الارتياح على الخصوص تدني حدة الخصام و التنافر بين تيارين متناقضين في شأن تصورهما لهوية البلد, و تنامي روح التعايش بينهما بفضل الاحتكاك السياسي الشبه يومي تحت قبة البرلمان. و جاء ذلك في تصريح السيد محمد الكهص الوزير السابق, حيث قال بأنه تعرف عن قرب على برلمانيي العدالة و التنمية من خلال العمل معهم في اللجنة البرلمانية التي كانت مختصة بقطاعه. و تبددت بذلك شكوكه ضدهم و مخاوفه منهم, كما تبددت أفكارهم السوداء ضده و ضد من يليه عندهم. و رد السيد الكهص سوء الفهم الذي كان قائما بين الجانبين, للخطابات التي كانت متشنجة بالقدرالذي كانت توحي به لكل طرف بوجود أفكار متطرفة و استئصاليه ضده عند الطرف الآخر. و أصبحنا اليوم بحمد الله, نشهد بين الجانبين نقاشا متمدنا و حضاريا في مضمونه. و إن كان حادا أحيانا في صيغته, فهو يدور حول القاسم المشترك بينهم من هموم الشعب اليومية و من هم تنمية البلاد اقتصاديا و اجتماعيا و حقوقيا و سياسيا و أخلاقيا, من دون أي تطرف و من دون أي غرور و لا أي تبجح بامتلاك العصا السحرية لحلها.
و مما سرنا أخيرا مشاركة بعض التيارات اليسارية, التي تُنعت بالراديكالية, في انتخابات 7 شتنبر 2007. و لكنها تركت من ورائها بجامعاتنا, شبابا متذمرا من تلك المشاركة و مُيَتما بفقدانه لسنده النخبوي المرتد في نظره عن خطه السياسي الراديكالي. و من دون تأطير تلك القواعد زاد تطرفها و أصبح يثير شغبا متناميا ضد خصومها, من شأنه تسميم الجو بين باقي الفصائل الطلابية, في الوقت الذي نشهد فيه روح التعايش و التسامح بين النخب. و العيب هنا هو تكريس ذلك الانفصام بين كل النخب و قواعدها, بإدارة الظهر لها و التخلي عنها من دون إقناعها بضرورة مراجعة أفكارها الراديكالية و العدول عنها. فكلما انخرطت نخب اليسار في المسار الديمقراطي كلما زادت قواعدها تطرفا, لأن المراجعة بقيت محصورة في أعلى الهرم. و هذا الانفصام بين النخب و القواعد لا يخص اليسار وحده, بل تعيشه بقدر ما الحركة الإسلامية كذلك. فماذا في الانترنيت عن كل تلك الراديكاليات المتناقضة, و التي تطالعنا قصاصات الأخبار عن التناحر بينها في الحرم الجامعي ؟
ـ1ـ اليساريون الراديكاليون
فهناك أولا بجامعاتنا الفصائل اليسارية الراديكالية, التي لا زالت في مواقعها و مدوناتها بالشبكة العنكبوتية, لا تُقسم إلا بمن تُسميهم "المعلمين الكبار" من ماركس و انجلس و لنين. و تحلم بمشروع مجتمع عمالي خالص من دون أية طبقية, ما عدى طبقة الشعب و من فوقه طبقة الحكام. و الجماهير في هذا المجتمع, مجرد قـــطـــيـــع, ينتج و يستهلك ما خُطط له في "نعيم جنة" مزعومة و مُحكمة الإغلاق. و لا مكان للتدين في هذا المعسكر, حيث يسود شعار "الدين أفيون الشعوب" و حيث الصلاة مضيعة للوقت و الصيام عائق ضد المردودية و الإنتاجية و الزكاة تكريسٌ للطبقية, و الحج رحلة بالفكر إلى الماضي ضد التقدم و بيوت العبادة عقارات يجب أن تتحول إلى مدارس و مستشفات أو مرافق إنتاجية. و لا سجود و لا ركوع في هذا المعسكر إلا للقائد الملهم و المعصوم الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه و لا من خلفه. و لا تسبيح إلا بحمده, و لا فكر إلا فكره و لا كلام إلا عن تبجيله و تقديسه. و كل مخالفة له أو مجرد الشك في الولاء له, يعد ردة نكراء تستحق السجن أو الإعدام.
و عاش هذه المأساة شعب كمبوديا المسكين في أيام القائد المعتوه المسمى بُل بُت, بدعم من ميلشيا الخَمير الحُمر. و راح ضحية هذه المهزلة المأساوية, مئات الآلاف من سكان المدن من الجنسين و من كل الأعمار, الذين اتُّهموا بجريمة البرجوازية, فرُحّلوا قصرا للبوادي من أجل إعادة تأهيلهم في معسكرات فلاحية يحكمها الحديد و النار. و لا زال يعيش نفس المأساة شعب كوريا الشمالية في مقابل نظيره و شقيقه الذي ينعم بالحرية جنوبه.
و لكن نخب هذا التيار يئست من أن تجد لها يوما سندا و جذورا شعبية في العالم الإسلامي. فتخلت عن أفكارها المتطرفة و بدأت عندنا على الأقل, تقتنع و تقتدي بباقي اليسار الديمقراطي في الانخراط في العمل السياسي الدستوري القائم, و لو على احتشام و استحياء من قواعد شبابية ظلت تشحنها و لمدة جد طويلة بالأفكار الراديكالية. و بدلا من إدارة الظهر لقواعدها فعلى هذه النخب اليوم, أن تتحلى بالشجاعة الكاملة من أجل مواجهتها و العمل معها بالتي هي أحسن و بالصبر المطلوب, على تبديد و تفكيك فكر متطرف عملت على ترسيخه في أذهانهم سنين طويلة. فلا بد لها من تَحَمل مسؤولياتها من أجل المكاشفة و المصارحة و المراجعة مع قواعدها.
ـ2ـ التطرف بإسم الدين
و في المقابل, فهناك تيار راديكالي مضاد و منعوت بـ"الإسلامي" في حين أن منظومة قيم الإسلام براء من أية راديكالية و من أي تطرف. و تولد هذا التيار عن الإحساس بالوهن و الهوان على الناس, من جراء الدعم الكامل و الانحياز التام و السافر للغربيين لصالح الكيان الصهيوني الغاصب, ضد الشعب الفلسطيني. و ما يكرس فكر هذا التيار و يقويه هي كل التداعيات الناجمة عن ذلك الصراع الصهيوني العربي, في أفغانستان و العراق ولبنان و غيرها. و كرد فعل على ما يشعر به من غبن و ظلم, يحلم هذا التيار بمشروع مجتمع طاهر و حتى "ملائكي", من شأنه وحده, القدرة على رد الاعتبار للأمة بين باقي الأمم.
و طبيعي أن يؤمن كل مسلم بأن استقامة الأفراد و تقواهم لله و التزامهم بتعاليم دينهم ليس مطلوبا لأنفسهم فقط, و لكن من أجل تنمية المجتمع في كل الميادين أخلاقيا و علميا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و حضاريا. إلا أن تغيير المجتمعات في الاتجاه الصحيح لا يتحقق, و بنص القرآن الكريم نفسه, إلا بالدعوة و التربية و ليس أبدا بالإكراه. "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوامَا بِأَنْفُسِهِمْ" سورة المائدة الآية 54. و الله سبحانه و تعالى يريد منا إسلاما يكون فيه المسلم مُلتزمًا بأوامره و ليس مُلزما بها, و يريد منا المسلم المُمتنع عن المحرمات و ليس المَمنوع منها, لأن المُلزَم و المَمنوع بالقوة, غير مضمون لا الأمانة و لا الاستقامة, و لا أمل في بناء مجتمع صالح من أمثاله.
و لكن مَكمَن التطرف الراديكالي عند هذا التيارالمندفع و المتنطع بالمجتمع الإسلامي, يتجلى في مضمون خطاباته بالانترنيت و بغيره. و يُستشف من نصوص تلك الخطابات, أن أتباع هذا التيار يعتبرون أنفسهم "أطهارا" غفر الله لهم, ليس فقط ما تقدم من ذنبهم, بل حتى ما تأخر منه. و يتمسكون بحرفية نص الحديث الشريف, فيتفننون في تقصير السراويل من أجل الكشف عن أكعابهم. ولكن خلافا لروح نفس النص و لمقصده يبرعون في التميز عن باقي الناس بالاستعلاء و التكبر






















