وجهة نظر في المسار الديموقراطي بالمغرب بعد استحقاق 7 شتنبر 2007

كتبهاMustapha HMIMOU ، في 25 أكتوبر 2007 الساعة: 19:25 م

نعم لملك يسود و يحكم إلى حين توفر البلاد على جسم ناخب متحرر في معظمه من قيود الفقر و الأمية في اختياراته و قادر بذلك على إفراز جسم مُنتخب في مجمله كفء و أمين

سمعت الأستاذ الرميد رئيس فريق العدالة و التنمية, يشكو مرة أخرى من ضعف السلطة التنفيذية بيد الحكومة في تدبير الشأن العام ببلادنا. الشيء الذي في رأيه, من شأنه إضعاف قوة و مصداقية الأحزاب لذى الجسد الناخب. و من بين من يوافقونه الرأي من يعزو ضعف المشاركة في انتخابات 7 شتنبر 2007 إلى كون الناخب المغربي يعرف مسبقا  أن جل الحكم بيد الملك و ليس بيد الحكومة فلا داعي للتصويت. و هذا الرأي سائد في جل الأوساط السياسية من كل الأطياف. فلا أتفق مع الأستاذ أولا في سبب ضعف المشاركة في الانتخابات التشريعية السابقة, و لست كذلك متفقا معه و مع كل من يطالب اليوم بتفويت كامل النفوذ للحكومة بدلا من احتفاظ الملك بما يلزم أن يحتفظ به من النفوذ. لماذا ؟ 

فيما يخص ضعف المشاركة في الانتخابات السابقة نسي أو تناسى الأستاذ و من يوافقه في الرأي, أن شريحة عريضة من نخب الطبقة المتوسطة و ما فوقها, و التي لها قناعات سياسية ببلادنا, لا زالت تترفع و تستنكف عن الاختلاط بباقي المواطنين من أجل الذهاب إلى صناديق الاقتراع. و بذلك فقليلا ما تصوت, بل تتفرج عن بعد و تنتظر النتائج لتسهب في تحليلها. و في مقابل هذه النخب الوفيرة العدد, هناك شريحة أخرى من النخبة المغربية, مسيسة و تنتمي لتيارين متعارضين في شأن هوية المجتمع المغربي و تناضل في جبهتين متخاصمة سياسيا في هذا الشأن. فتصوت بحماس و بكثافة و تمثل نسبتها في الجسد الناخب الحد الأدنى الذي لا تنزل نسبة المشاركة دونه. و أعني هنا بهذه الشريحة من المواطنين عموم المنتمين لتيار اليسار و المتعاطفين معه في مقابل مناضلي التيار الإسلامي بمعية من يتعاطف معه. و الذين يصوتون علاوة على المنتمين لهذين التيارين هم من باقي الشعب المغربي, و أغلبهم من الطبقة الفقيرة التي تعمها الأمية و لا سيما الأمية السياسية. و هذه هي الشريحة العريضة بالقدر الذي من شأنه التأثير على نسبة المشاركة سلبا أو إيجابا. و يعلم الأستاذ الرميد و غيره أن الوازع للتصويت عند هذه الشريحة المؤثرة في نسبة المشاركة من بين الناخبين, ما كان يوما لا الأحزاب و لا البرامج و لا حتى الأشخاص و إنما الورقة النقدية من فئة مائة أو مائتي درهما فقط, و الصوت جاهز لمن يدفع.  

و في هذا المرة و بعد محاكمة بعض من تبث أنهم انتخبوا في مجلس المستشارين بطرق غير قانونية و بعد التهديدات بمحاكمات مثيلة, انعدم التزوير الممنهج و تقلص و لو نسبيا استعمال المال, فأثر ذلك على نسبة المشاركة. فالفارق بين نسبة اليوم و نسبة الأمس يكمن في كون المسجلين الذين لم يصوتوا لم يروا فائدة مالية أو عينية آنية من ذلك. و لولا استمرار استعمال المال بالرغم من تلك التهديدات و في ظل ما سمي بالحياد السلبي للسلطة, لكانت نسبة المشاركة أقل بكثير من النسبة المعلن عنها. فلكل هذا الديمقراطية بمعناها النبيل لا زالت ببلادنا مجرد حلم في انتظار اليوم الذي نتوفر فيه على جسم ناخب واع و مسيس و غير مكبل في اختياراته بثقل الأمية و الفقر.  

من جهة أخرى, الديمقراطية المنشودة تحتاج في المقابل لنُخب سياسية معافاة من عقلية الانتهازية السياسوية و من التهافت على الامتيازات و على النفوذ و على تكريس اقتصاد الريع و تقويته بالطموح للاستفادة منه. محاكمات المستشارين السابقة أظهرت على أن النعاج الجرباء كانت في صفوف جل الأحزاب. و لم تسلم منها لا الأحزاب التاريخية و لا و حتى المتشدقة منها باحتكار التقدمية و الحداثة و الديمقراطية. و من هذه الأحزاب من وزعت التزكيات يمينا و شمالا على غير مناضليها و لغير المؤمنين بمبادئها, لمجرد أن الشخص يتوفر على حضوض وفيرة للحصول بطرقه "الجد الخاصة" على مقعد لحساب الحزب 

فذاك حال جل الجسم الناخب و يكاد يكون هذا حال جل الجسم المُنتخب ببلادنا, في انتظار اليوم  الأفضل إن شاء الله. و لكن حتى ذلك اليوم, فالمرشح الذي يدفع الآن الأموال الطائلة من أجل نيل مقعد بالمجالس المحلية أو بالبرلمان, هل يدفعها محبة في المواطنين و لسواد عيونهم ؟ هل يدفعها لخدمة الصالح العام ؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يدفعها من دون انتخابات ؟ لا, إنه يدفع كل درهم في تموين حملته في انتظار جني ما يوازي آلاف الدراهم من خلال الحصول على امتيازات و نفوذ على حساب الصالح العام. و من الإجحاف التعميم. فلا يخلو مجتمع من خير. و لا شك أنه من بين المرشحين لتدبير الشأن العام و من المنتخبين منهم, عدد لا يستهان به من النساء و الرجال المخلصين. إلا أنهم يعملون في مجتمع تعَود على الضغط على من يليهم من المنتخبين من أجل قضاء حاجاتهم و لو على حساب القانون و حقوق الغير..و من داخل البرلمان نفسه وجدنا من يرحل من حزب لآخر بسبب تواجد وزير به في قطاع يهمه.  و كثيرا ما يتضرر الصالح العام من ذلك, بل قد تُدمر مقوماته الاقتصادية و الاجتماعية. فيُكرس فيها التخلف و تُكبح فيها كل طموح للتقدم.

 و من مثل هذا الجسم المنتخب, بجزئه السقيم بذاته و جزئه المخلص و لكن غير محصن من ضغوطات الانتهازيين, يتم اليوم جزء من الاستوزار و تنبثق عن جزء منه الحكومة إلى جانب الغير منتمين من التقنقراط على رأس قطاعات حساسة. فماذا سيكون شأن البلاد و العباد سيدي الأستاذ الرميد, لو كان كل الوزراء من مثل هذا الجسم المنتخب المخضرم  أو من أحزابه ؟ و  كيف سيكون حالها لو كان كل الحكم بيد مثل هذه الحكومة ؟ أنا كمواطن و كمثلي من الغيورين على نمو بلادي في كل المجالات, من حقي سيدي الرميد, المطالبة بالإبقاء على عدم استئمان كل شؤون بلادي و كل مصالحه العليا لأية حكومة منبثقة عن مثل هذا الجسد الناخب المنخور في معظمه بالأمية و الفقر و عن مثل هذا الجسد المنتخب المكبل بالانتهازية في جزء منه من داخله و في جزء منه من خارجه. نرى عبر الشاشة فقط و في قارتنا السمراء دول من أغناها ترواث معدنية و من أفقرها بنية تحتية و تجهيزا و تنمية بشرية و اجتماعية. و لا تسأل عن السبب فهو جلي.

 و إلى حين توفر المغرب على جسد ناخب سليم و جسد منتخب محصن إن شاء الله, فقد حبانا الله بنظام ملكي, مصلحة الملك فيه لا يمكن إلا أن تكون متطابقة تماما مع المصالح العليا للبلاد و العباد. فليس صاحب السفينة كمن يعتبر نفسه مجرد مسافر فيها و لا يرى منها إلى الجانب الذي يقطن فيه, و عينه دائما على قارب النجاة و على بر الأمان إذا ما حصل مكروه لا قدر الله. من يدفع المال من أجل الحصول على مقعد بالمجالس المحلية أو البرلمان, مجرم بموجب القانون, و بلاده في ذهنه محصورة في ممتلكاته العقارية و لا ولاء عنده لغيرها, و الخارج بالنسبة إليه يبدأ عند حدودها. و المواطنة عنده محصورة في ذويه و من يليهم, أما باقي المغاربة عنده فهم مجرد أجانب. و ينطبق عليه مثل المستهمين في السفينة في الحديث الشريف, و الذين كانوا في أسفلها و هموا بخرقها من جانبهم من أجل جلب الماء. فمثلهم لا يؤتمنون حتى على  الجانب الذي كان من سهمهم في السفينة, فكيف باتمانهم على كل السفينة ؟

 أما الملك فهو صاحب السفينة. فحدود قصره هي حدود بلاده, و لا بيت لأي ملك خير من بلده. و كل الشعب عائلته, يألم لما يضره و يسره ما ينفعه. في خضم تهافت الأحزاب على الحقائب الوزارية بالحكومة الجديدة, ارتفعت أثمان الدقيق و الخبز خلال شهر رمضان فبادر جلالته للتو بإعطاء أوامره لوزيره في الداخلية و لكل القطاعات ذات الاختصاص من أجل التفاوض مع أصاحب المطاحن و المخابز لكي تعود الأثمان إلى المستويات التي كانت عليها. من بالأحزاب الحاكمة حينئذ تألم لألم الشعب فترك التهافت على المقاعد بالحكومة الجديدة و هرع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ؟ شعار الذي يشتري المقاعد بالمال هو "من بعدي الطوفان". ألمثله يصح  تسليم كامل الحكم ؟

   ضد عقلية الفساد السائدة, مكانة الملك تمنع ضغوط و أيادي المتطلعين للعبث بمصالح البلاد العليا, لصالحهم الخاص, من الوصول إلى القطاعات الحيوية و الحساسة بالبلاد, و التي تمثل شرايين الاقتصاد المغربي, من مواصلات سلكية و لا سلكية و نقل جوي و نقل بحري و نقل سككي و طرق و موانئ و مطارات. كل هذه القطاعات لا زالت بحمد الله مستقلة بشكل أو بآخر و بعيدة عن نفوذ الجسد المنتخب.  بل الملك هو من يضغط بنفوذه من أجل أن تسير الأمور بغير ما تشتهي النفوس المريضة بالفساد. و بنفوذه تمت صيانة أموال الخوصصة و وجهت إلى المشاريع الكبرى و إلى تنمية جهات كانت مهملة فغيرت وجه المغرب و جلبت له الاستقرار السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و أكسبته ثقة رؤوس الأموال فحركت معه الاستثمارات الداخلية و الخارجية.  

 لقد استؤمن المنتخبون المحليون على النظافة و الإنارة و توزيع الماء و الكهرباء و النقل الحضري و غيرها. و رأينا ما آلت إليه كل هذه القطاعات من تدهور ملحوظ و هدر للمال العام و محسوبية في التوظيف على حساب الكفاءة و الأمانة في خدمة المواطنين. أما في استثمارها في التعمير فقال أحد المسشارين بأحد المجالس المحلية : "كلما رأيت مشروعا سكنيا غير كامل و متوقف, اعلم أن من ورائه مجلس جماعي محلي" و رأينا كيف كان ذلك الجسد الناخب المنخور بالفقر و الأمية يضحي عند كل استحقاق بكل تلك المصالح, فيعيد نفس الفاسدين لتدبير شؤونهم في مقابل مائة أو مائتي درهم. بها يبيع الناخب حسن خدمة شؤونه المحلية لمدة سبع سنوات. و ما فُك إشكال هذه القطاعات إلا بتفويض تدبيرها للقطاع الخاص, و في أغلب الأحوال القطاع الخاص الأجنبي لأن المحلي في النقل لم يسلم بدوره من ضغوط الانتهازيين و المفسدين.  

 هل يريد الأستاذ الرميد أن يصل بنا الحال إلى تفويض تدبير موانئنا و مطاراتنا و نقلنا الجوي و السككي و غيره من القطاعات الحساسة  للأجانب بعد أن تُنهب و تُخرب من طرف جسد منتخب سقيم ؟ هل يقبل بأن نجازف بتجريب مثل هذا الجسد المنتخب ببلادنا في تدبير هذه القطاعات الوطنية حتى يظهر فشله و عدم كفاءاته فنستبدله بحزب العدالة و التنمية ؟ و حتى إن وجد في أحزابنا أكفاء و أمناء, من يضمن لنا أنهم سيسلمون من ضغوط و نفوذ المفسدين من حولهم ؟ و من يضمن لنا أن الجسد الناخب المقهور بالفقر و الأمية لن يعيد الفاشلين إلى الحكم عند كل استحقاق بشراء أصواتهم بمائة و مائتي درهم للصوت بعد أن يكونوا قد خربوا دعائم اقتصاد البلاد ؟ أي يجوز القبول بمثل هذه المجازفة بمثل هذه التجربة المعروفة المآل سلفا ؟ لا يا سيدي الرميد و شكرا. فنعم للديمقراطية الكاملة, و لكن يوم يصبح عندنا جسد ناخب سليم و جسد منتخب محصن من الانتهازية من داخله و من خارجه و كفء و أمين. .إلى ذلك الحين نكتفي اليوم بهذا القدر من الديمقراطية على علتها, و نحمد الله على ملك يسود و يحكم و يعوض بذلك النقص الذي يشوبها لصالح البلاد و العباد.

 أنا أختلف مع السيد محمد الكحص الوزير السابق, في مذهبه السياسي, و لكن سرني تصريحه بأنه ملكي حتى النخاع. هذا ما صرح به في برنامج تلفزي, و وُفق في تبرير موقفه هذا من الملكية. مثل هذا الموقف من نُخب اليسار ببلادنا اليوم, يبعث على الارتياح و الاطمئنان. فنعم و بقوة لملك يسود و يحكم على رأس حكومته إلى حين يوجد إن شاء الله من هم أهل للحكم معه بنفس الكفاءة و الأمانة و الوطنية. و الله ولي التوفيق.

 المصطفى حميمو

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر, سياسة, مقالات | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “وجهة نظر في المسار الديموقراطي بالمغرب بعد استحقاق 7 شتنبر 2007”

  1. السلام عليكم … غيرة مشكورة وتحليل متقدم ….بارك الله فيكم ونفع بكم أمة ترنو إلى نخب صالحة … وهي في الطريق برعاية ربها ..وإني أجد في كتابة الأستاذ الطيب بالعربية لسانا أندى وتعبيرا أسلس …حفظكم الله وذويكم



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

تفضلوا بالاطلاع على باقي مواضيع مدونتي على العنوان التالي :

http://hmimou.over-blog.com/



تفضلوا بالاطلاع على باقي مواضيع مدونتي على العنوان التالي

http://hmimou.over-blog.com/